عبد الكريم الخطيب
576
التفسير القرآنى للقرآن
من تلك النعم ، وإن التفتوا إلى شئ منها لم يكن لهم منه عبرة وعظة . . بل هم على ما هم عليه من ضلال وعمى ، لا تزيدهم الآيات إلا كفرا وعنادا ، ولا يزيدهم النور إلا عمى وضلالا . . - وقوله تعالى : « وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً » . الإسباغ : الإفاضة والشمول ، عن سعة وكثرة . . والنعم السابغة : الكثيرة المتعددة - ودرع سابغة : أي ضافية ، كاسية ، ومنه قوله تعالى : « أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ » ( 11 : سبأ ) . والنعم الظاهرة : ما يعرفها الإنسان ، ويلمسها بحواسه ، أو يدركها بعقله . . والنعم الباطنة ، هي ما لا يعلمه الإنسان من أسرار هذا الوجود الذي يعيش فيه . . والنعم الظاهرة قليلة لا تكاد تذكر إلى جانب النعم الباطنة ، التي تغمر الإنسان ولا يشعر بها ، ولا يعلم من أمرها شيئا . . وما كشف عنه العلم من أسرار الحياة ، لا يعدو أن يكون سطورا من مقدمة كتاب الوجود ، وما فيه من أبواب وفصول . . . - وفي قوله تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ » إشارة إلى هؤلاء المشركين ، وما هم فيه من لجاج ، وعناد ، مع ما يتلى عليهم من آيات اللّه . . إنهم يجادلون ويجادلون ، وكل ما معهم من أسلحة في هذا الميدان هو الجهل والعناد . . إذ ليس معهم « علم » حصّلوه بالنظر والتأمل ، ولا « هدى » تلقوه من الرسول الذي جاءهم بالبينات من رب العالمين ولا « كتاب منير » تلقوه عن رسول من رسل اللّه ، وانتفعوا بما فيه من علم وهدى . . ومع هذا فهم يجادلون في اللّه ، وفي تصورهم لذاته وصفاته ، على هذا النحو من التصور الفاسد ، الذي يجعل اللّه على مستوى بشرى ، كشيخ قبيلة ،